أنس الفيلالي عاشق الشعر متطلع إلى رصانة البحث
أديب مغربي شاب يتميز بجمال الكلمة ، وروعة اختيار اللفظ الموحي ، يجمع بين مجالي الشعر بخياله الخصب والبحث بموضوعيته ، له نظرة متعمقة في ميدان التاريخ ، طموح يمتلك نشاطا متألقا يثير الإعجاب ، سيرته حافلة بالانجازات رغم سنه ، أعجبت بتميزه ونظرته الثاقبة الى أمور الحياة ، فكان لي معه هذا الحوار:
*من هو انس الفيلالي ؟
كائن يعيش في الضفة الأخرى من الاغتراب الميتافيزيقي، رمت به أمواج الخلو الى تلال بأخاديد الفجيعة، بين الرحيل الى اللامنتهى بمشيئة الحب، وبين الغربة الى اللاوعي حيث انبثقت حرقة أنس الفيلالي، الوشم و الحرق و اللهيب الذي أنار خلوة الغرباء، أينما كان الحب، حب العشق في الرماد الليلكي في أي مكان.
* أنت باحث و شاعر، أي المجالين تفضل؟
أخلو الى الاثنين في غربتي، وهي حثمية، وتجعلني أنوء بجلد قارعة عرائسي بصفة متناسقة و متماسكة لا شعاب في سكراتها، فالبحث فضاء عامر بمكوناته، أولا من خلال الحلم ثم بالخلاص عن طريق الشعر. فولادة الإبداع بحركياته وتجليات آفاق الأسلوب أو المدرسة الجديدة التي يجد فيها الشاعرضالته، رهينة بما اكتسبه الشاعر من تجربة وبما خزنته رفوف مكتبته من تجارب السابقين، مفاهيم و أفكار كيفما كانت طبيعة الحقل المعرفي الذي تنتمي إليه، سواء في التاريخ أو الحضارة أو الأدب . حيث أنزوي في البحث والنبش والحفر العلمي والتنقيب الأدبي لإنارة صحوة الطريق التي سأسلكها في قصائدي من ناحية، و من أجل خلق رؤى ونتائج جديدة في بيئة أو موضوع قيد البحث من ناحية أخرى. وتبقى الكتابة في مفهومها العام تلبية لدافع خفي قادم من أعماق الاحتراق، الذي تخطى خطوات من النضج حتى كوّن وأسس رؤية تفرض عليه دخول عالم التحقق.
* كيف تجد نفسك في مجال البحث؟ وماهي الصفات التي تميز الباحث المنصف؟
كما أشرت آنفاً، فقد غُصت بابي البحث المتعارف عليها، أي العلمية والمتعلقة بأمور التاريخ والحضارة، حيث تخصصت في مرحلتي الجامعية، و الأدبية و المتعلقة بالدراسات الأدبية التي استحوذت على اهتمامي كطالب، و قد خضت مرارا في هذه الأخيرة، في محاولة لإدراك محيط مدى الشاعر الحقيقي، أو المتجليات التي تؤسس لمرتكزات الشاعر الأكاديمي وتنميي موهبته بشكل علمي ومحكم. فالبحث في تاريخ و حضارة بني آدم، من فتوحات وغزوات وانهزامات وانكسارات ودراسات في الحضارات السابقة، يعطي للحياة نكهتها المشرقة، في محاولة لبناء حاضر متزن متوازن بلوعة المطر الرحب، و الثمر الثمل. فلولا الدراسة القبلية والأكاديمية لذلك التاريخ بسلبياته وإيجابياته لما كان من الإمكان إحداث التميز بمفهومه الإبداعي، والأهم من ذلك الاستفادة منه لبناء هذا الحاضر الذي من المفروض أن يكون مشرقاً لو خطونا خطو التتبع وعدم تكرار أخطاء الماضي، والمشي على خطى المخلفات الايجابية التي تنير حاضرنا. و التطلع للمستقبل، لإشراقة الصباح، بأفكار و رؤى وخطوات منسجمة ومدروسة، رهين بالدراسات والأبحاث التاريخية التي جرى استيعابها وتملكها معرفياً. أما البحث في الأدب كما أسلفت فهو محاولة لتأسيس مفهوم الشاعر وإدراك محيطه العام. فالشاعر الباحث له حظوته المعرفية في نصوصه الشعرية بشكل أوفر.
و الباحث أياً كان تخصصه يجب أن يتحلى بروح البحث العلمي أولاً وأخيراً، بعيدا عن الحساسيات الايديلوجية أو المذهبية الدينية أو السياسية أو تلك الخاضعة لحكم العشيرة او القبيلة…و من ثم يبحث عن روح البحث الأساسية التي تؤسس الكتابة أو البحث.
الأول مرتبط بالأصالة التي يجب أن يكون عليها العمل المقدم، والتي ترتكز قبل الوصول لتحقيق الغاية والهدف المقصود، على المنطق السليم و الأمانة العلمية الصرفة.
أما الشق الثاني فمتعلق بالجدة والابتكار الجديد قبل الوقوف على آراء جميع السالفين في الموضوع الذي هو قيد البحث أو الدراسة الجاري تحضيرها.
* التاريخ و الحضارة: عنوانان يتحدان و يختلفان، متى يتم التوحد و أين يكون الاختلاف؟
لا يمكن للحضارة ان تكون بدون دراسة للتاريخ ولقانون التاريخ، فأبرز الأنظمة العالمية الحالية المتقدمة، أصلها يعود للتاريخ الغابر، وحاضرها هو امتداد لذلك التاريخ، بقوانينه ومرتكزاته ومقومات حضارته.فمثلا مجلسي الشيوخ الأمريكي والفرنسي اللذان ينبني عليهما المجتمعين الفرنسي والأمريكي وحتى الروسي، من خلال المواقف التي تخرج من هذه الهيئة ورجالاتها، أصلها يعود للنظام والحكم الروماني، ومعظم الأنظمة المتقدمة تتخد من التاريخ الغابر منهجا في سلوكياتها السياسية والثقافية والحضارية. خاصة حين يعرف المجتمع وأصحاب مقاليد الحكم كيفية التعامل بشكل جدي وعلمي مع هذا التاريخ بأخطائه و سلبياته و ايجابياته، حيث بفعل التراكم تؤسس مفاهيم التاريخ والحضارة، منظومة تسير عليها مجتمعاتها وشعوبها، فالاتحاد هنا ايجابي يفضي إلى ماهو ايجابي. اما الشق الثاني من سؤالك، فجلي في مجتمعاتنا العربية، أنها تعيد بشكل عفوي إنتاج الحاضر اعتماداً على سلوكيات الأفراد، التي تمنهج القطيعة مع الماضي، والمشهد القاتم لا يأتي من عدم، وإنما لأن سوادهم لم يدرس لا التاريخ بشكل عام، و لا تاريخه بشكل خاص، فبالأحرى التعامل معه كضرورة إنسانية لا محيد عنها لبناء المدينة الجديدة.
* متى كانت بدايتك شاعرا؟ ومن وقف بجانبك مؤازرا ؟
لا أستطيع تحديد الزمان المؤسس لحساسيتي الشعرية. ما أستطيع التأكيد عليه، أني وجدت نفسي متورطاً في حمى الكتابة مبكرا جدا، مع تورطي في الرسم والفن التشكيلي والمسرح، فبالنسبة للكتابة الأولى فقد كانت بنصوص في الشعر التقليدي، في المرحلة الإعدادية، ولا أنكر أنها كانت عشوائية تفتقد إلى العديد من المرتكزات الشعرية التقليدية التي عرفتها أثناء تخصصي الأدبي فيما بعد، و قد بدأت هذه المحاولات تنضج وكلما نضجت أحتسي منها عبق نشوتي و غربتي، أما خلال المرحلة الثانوية فقد ازداد إدراكي للمعنى الحقيقي للشعر والكتابة بجدية أكثر من السابق. ويرجع الفضل الكبير في هذا الإدراك إلى أستاذة اللغة العربية فاطمة السريفي التي كنت من أنبه تلامذتها في الفصل، وأذكر أني لم أرضَ حينها بأقل من التلميذ الأول في مادة اللغة العربية، فطالما ما كانت تشجعني وتخول لي عن غيري من زملائي، قراءة ما كنت أكتبه من قصائد في نهاية كل حصة من الفصل. وكَثُرَ ما أجلستني بمحاذاة الطاولة الخاصة التي تقاسمناها سوية مرارا.، لقراءة جديد كتاباتي. وشهادتها في الأخير كانت تزيد من إرادتي وتقويها كما كانت تحثني على المزيد من المثابرة وتأتي التجربة اللاحقة في الحصة التي تليها أحسن من سابقتها،. كانت هذه هي البداية الأولى، أما البداية الحقيقية للانسياق نحو عالم الكتابة بمفهومها العام، فكانت بعد حصولي على جائزة التلاميذ الشعراء. حينها أدركت حقيقة الوسط الثقافي المغربي انطلاقا من مدينتي، والذي اكتشفت أن القوى السياسية و المؤسسات الحزبثقافية هل التي تؤطره وتتحكم للأسف بزمامه،.
فبزوغي الشعري في مدينة جدورها التاريخية عميقة عمق البحر، و تاريخها الشعري يشهد على الريادة لا غير ذلك بالوطن. جاء في وسط ثقافي حالي لا يقبل الشاب المتفوق أو المبدع المستقل عن التوجهات السياسية أو المفاهيم الخارجة عن العمل الجماعي، و لا أظن أن هناك مبدعاً آخر كان سيقاوم الأساليب و الضغوط التي مورست علي من طرف المبدعين لقتلي إبداعيا، مالم أخطو إحدى التوجهات أو الجماعات الثقافية المتعارف عليها في المدينة، والتي لا تخلو في كل مرة من مرق الحلو، ودناءة القيم، وخروج الهيم عن المقيض، والقبيح عن الجميل. الا أن من حسن حظي أني تعرفت من داخل ذاك الوسط الثقافي، عن الخارجين عنه، عن مبدع بحجم كبير و صديق بحجم الحب و العشق، أديب لطالما سمعت به من خارج جدران المدينة، فمحمد سعيد الريحاني الذي قرأت له من بعيد، صار منعطفا بارزا في مسيرتي الشعرية، بشكل عام . فقد احتضنني وأخد النصح بيدي وساعدني على توسيع المداريك العلمية والتقينة المتعلقة بعالم النشر، فمن خلاله زدت في قوتي وشعريتي التي كانت دون شك ستنخرها الرداءة السائدة في المجتمع الثقافي، وخاصة أن سني لم يكن ليحتمل ذلك، فمن خلاله تعرفت أيضا على المدارس الفلسفية الغربية ومرتكزاتها الدقيقة، ومن خلاله زاد ألق قصائدي بهجة بالعالم الجديد، حين نشرت أولى أعمالي وهي قصيدة "لا صعود للغرباء" إيدانا بواقع الأدب والأدباء بالمدينة، في صحف عربية عديدة، كان أولها "الزمان اللندنية" و "جريدة العرب اليوم الاردينة" ف"العرب العالمية" ومنابر أخرى لمدة طويلة قبل أن أنشر في أي من الصحف المغربية .
ما هي العوامل التي جعلت انس الفيلالي عاشقا للشعر ومنذ الطفولة ؟
لا أذكر أن هناك أي عامل عن آخر، جعلني عاشقا للشعر عن غيره من الفنون. فما أؤكد عليه هو أني تورطت بدون سابق تصميم في حمى الكتابة مند زمن بعيد، منذ أيام الطفولة.
* نلت عددا من الجوائز، هل تجد أن الجوائز الشعرية ثمثل حافزا للإبداع؟
بطبيعة الحال، فالجوائز لا تصنع من الشخص مبدعا، كما أنها لا تعطي الأحقية للفرد عن غيره بخصوص مكانة الابداع بنسبة معينة، لكن الجوائز حسب نوعيتها وطبيعتها لها مكانة خاصة لدى أي مبدع، وأخص بالذكر منها الجوائز المحكمة التي تخضع لمنطق الجدارة والتي يشرف عليها مبدعون أكفاء وحقيقيون، وغالباً لا تخضع إلى أي قوة خارجية أخرى، على غرار تلك الجوائز والتي كظاهرة غير صحية استشرت في وسطنا الثقافي، وأقصد تلك التي يتحكم فيها الكائن الايديلوجي والحزبي. أما الجوائز التي تأتي في هذا السياق في نسق الاعتراف بالمجهود الأدبي والتي هي في شق جوائز التكريم ، وتمنح لشخص أثرى الساحة الأدبية بأعمال جدية، أوتلك التي تأتي في إطار التشجيع والتي تمنح للشباب الواعد. تشجيعا له لما بذله في إطار مسابقة أو تنافسية ، فهما مهمين جدا لأي منهما ، فالاعتراف يفضي الى عمل أكثر من الأول. ولا أنكر شخصيا أن جائزة التلاميذ الشعراء التي حصلت عليها كان لها أثر كبيرعلى مسيرتي الشعرية ، فقد شجعتني لدخول عالم الكتابة بمفهومها الجديد، عبر الاحساس بالمسؤولية أكثر من السابق، مما أفضى إلى حصولي على جوائز أخرى في الجامعة، قبل أن أتوج

























